مررنا بمراحل عمرية عديدة ..في بداية حياتنا أعظم ما أنجزناه هو إتقاننا للتقليد ..نقلد شخصيات نحبها ..نتخذها مثل أعلى ..نتخطى هذه المرحلة لنصل إلى أخرى أكثر نضجا..ننفتح على عالم واسع ..تتصارع فيه الأفكار و الرؤى ..نحاول التعلم ..نلتقط الآراء من هنا و هناك .. نأخذ منها ما يتفق لنا ..و من ثم نتطور لنشكل آراءنا الخاصة ..نكون لأنفسنا شخصية متكاملة لها حدودها الواضحة ..مزيج يضم كل ما تعلمناه و اختبرناه يوما ..هنا نتوقف ..لم يعد يشغل بالنا شيء ..لأننا نظن أن هذه الآراء التي توصلنا لها بعد تنقيح لابد أن تكون ثابتة .
هكذا ظننت إلى فترة قريبة للغاية ..فقضيت فترة من الهدوء أو الخمول الفكري ..ما عادت المواضيع تثيرني حيث أنني ظننت أن خلاصة ما تعلمت هي ثوابت.
و من هنا بلغت دهشتي حدها ..عندما اختلفت مع احدهم عن معنى ..الاهتمام ..الصداقة _معاني بسيطة و ثابتة لا تقبل النقاش_أو هكذا اعتقدت .
و لكنها قبلت النقاش ..حينها بدأت استرجع كل ما جمعت من اعتقادات في السابق ..بأسلوب سلس منظم بدأت اطرح آرائي ..كذلك يفعل الطرف الآخر ..بات كلانا يفتش عن سابق عهده و اقتناعه بما يقول .
و الغريب ..رغم اختلافنا ..تمتع كلانا بأسباب منطقية ..و وجهات مغايرة مقنعة و قوية للغاية ..حينها أعجبني اختلافنا رغم كونه اختلاف.
نشط عقلي من جديد ..بدأت اقلب صفحاتي القديمة ..تذكرت ما نسيته لفترة من الزمن ..انه رغم اعتقادنا بثبات الأشياء إلا أننا مازلنا نختلف حول ماهيتها ..حدودها..تفاصيلها ..قد أرى لها وجه واحد لان لدى نظرة واحدة ..غيري لديه نظرة أخرى بناها على خبرات و اعتقادات تختلف عن خبراتي ..حين نتناقش فيها نظهر جوانب من شخصياتنا .
توصلت أخيرا ..انه لا يوجد ما يسمى ثوابت ..دوما ستظل الأشياء متغيرة ..دوما سنسمع الجديد ..فنعود للبحث محاولين الوصول إلى صورة واضحة لما يحيرنا ..نرجع إلى أوراقنا القديمة نحذف منها ..و نضيف إليها .._تلك التي لن يجف حبرها مطلقا _عسانا نصل لتعريف مثالي أو حتى الاقتراب منه.
و لكننا سنظل نختلف ..و حين نختلف نتميز.. فلولا اختلافنا هذا لما ظهر جديد ..إن تمتع الجميع بنفس الوجهة من النظر ..لما ابتكر شيئا.

