السبت، 28 فبراير 2009

مازلنا نختلف



مررنا بمراحل عمرية عديدة ..في بداية حياتنا أعظم ما أنجزناه هو إتقاننا للتقليد ..نقلد شخصيات نحبها ..نتخذها مثل أعلى ..نتخطى هذه المرحلة لنصل إلى أخرى أكثر نضجا..ننفتح على عالم واسع ..تتصارع فيه الأفكار و الرؤى ..نحاول التعلم ..نلتقط الآراء من هنا و هناك .. نأخذ منها ما يتفق لنا ..و من ثم نتطور لنشكل آراءنا الخاصة ..نكون لأنفسنا شخصية متكاملة لها حدودها الواضحة ..مزيج يضم كل ما تعلمناه و اختبرناه يوما ..هنا نتوقف ..لم يعد يشغل بالنا شيء ..لأننا نظن أن هذه الآراء التي توصلنا لها بعد تنقيح لابد أن تكون ثابتة .
هكذا ظننت إلى فترة قريبة للغاية ..فقضيت فترة من الهدوء أو الخمول الفكري ..ما عادت المواضيع تثيرني حيث أنني ظننت أن خلاصة ما تعلمت هي ثوابت.
و من هنا بلغت دهشتي حدها ..عندما اختلفت مع احدهم عن معنى ..الاهتمام ..الصداقة _معاني بسيطة و ثابتة لا تقبل النقاش_أو هكذا اعتقدت .

و لكنها قبلت النقاش ..حينها بدأت استرجع كل ما جمعت من اعتقادات في السابق ..بأسلوب سلس منظم بدأت اطرح آرائي ..كذلك يفعل الطرف الآخر ..بات كلانا يفتش عن سابق عهده و اقتناعه بما يقول .
و الغريب ..رغم اختلافنا ..تمتع كلانا بأسباب منطقية ..و وجهات مغايرة مقنعة و قوية للغاية ..حينها أعجبني اختلافنا رغم كونه اختلاف.

نشط عقلي من جديد ..بدأت اقلب صفحاتي القديمة ..تذكرت ما نسيته لفترة من الزمن ..انه رغم اعتقادنا بثبات الأشياء إلا أننا مازلنا نختلف حول ماهيتها ..حدودها..تفاصيلها ..قد أرى لها وجه واحد لان لدى نظرة واحدة ..غيري لديه نظرة أخرى بناها على خبرات و اعتقادات تختلف عن خبراتي ..حين نتناقش فيها نظهر جوانب من شخصياتنا .

توصلت أخيرا ..انه لا يوجد ما يسمى ثوابت ..دوما ستظل الأشياء متغيرة ..دوما سنسمع الجديد ..فنعود للبحث محاولين الوصول إلى صورة واضحة لما يحيرنا ..نرجع إلى أوراقنا القديمة نحذف منها ..و نضيف إليها .._تلك التي لن يجف حبرها مطلقا _عسانا نصل لتعريف مثالي أو حتى الاقتراب منه.

و لكننا سنظل نختلف ..و حين نختلف نتميز.. فلولا اختلافنا هذا لما ظهر جديد ..إن تمتع الجميع بنفس الوجهة من النظر ..لما ابتكر شيئا.

الخميس، 19 فبراير 2009

بلا نهاية



امشي متخبطة الخطى ..بلا هدفٍ هائمةً على وجهي ..في شارعٍ مزدحمٍ بالمارة ..تعلو الأصوات و تنخفض من حولي ..تزداد الحركة و تنتشر..و لا يثير انتباهي أي من هذا ..لا شيء سوى صدى ضربات قدمي تلك الثقيلة على الأرض من تحتي ..عُزِلت عن العالم من حولي كأنني محتجزةٌ داخل قوقعةٍ صماء .. اقلب عيناى هنا و هناك في جميع الاتجاهات دون أن يقع بصري على شيءٍ مألوفٍ ..أحاول التركيز لأجيب عن ذلك السؤال الذي يلح على عقلي .. من أين أتيت؟! .. إلى أين أذهب؟! .. لا أعلم ..يملؤني شعور حادٌ بالغربة.. بالفقدان ..جلًّ ما بت أدركه أنني ومنذ زمن لا أعلم منذ متى بالتحديد أطلقت للريح ساقي .
توقفت على الرصيف للحظات ..ثم نزلت لعبور الطريق..لم أعير السيارات المارة انتباهي فقد شُغِلت عيناي عنها في تتبع خطواتي المقبلة علها تكتشف إلى أين المقصد.
وفجأة و في منتصف الطريق وصل إلى مسامعي صوتٌ مريرٌ .. مبحوح .. يعلو و يتأرجح نجح في اختراق قوقعتي ليطن في اذنيّ .. فإذا به ينتشلني من غيبوبتي ..ابحث بعينين محمومتين عن مصدره ..انه لطفلٍ صغيرٍ وقف هناك .. أمامي مباشرةً على الرصيف المقابل.. طفلٌ انتابته ثورةٌ عارمةٌ من البكاء مطالباً بأمه ..باحثاُ عنها وسط الزحام .. شردت معه للحظات .. أتاني صوتٌ صاخبٌ من تلك السيارة التي باتت ملتصقةً بجانبي و قد أطل منها وجهٌ غاضبٌ لرأسٍ أشيبٍ ألقى علىًّ بضعة كلماتٍ ناهرة..و لكنني ما فعلت سوى أن تجاوزت الشارع وصولاً إلى الرصيف حيث يقبع الطفل الباكي ..اقتربت منه مررت بجواره.. وقد استحوذني شعورٌ غريبٌ ..لم استطع تبينه إلا بعد أن تجاوزته ..خلفته ورائي و قلبي ملؤه حسدا.. فعلى الأقل هذا الطفل ذو السبع سنوات _على أكثر تقدير_ يعلم ما يبحث عنه ..ألقيت عليه نظرةً أخيرةً بعينين تغرقها الدموع .. و من جديد أعدت مقاليد الحكم لساقيًّ تأخذانني حيث تشاءان علهما تهتديان لنهاية هذا المشوار الذي لا افقه كيف و متى ابتدأ.

الثلاثاء، 10 فبراير 2009

تلك الليلة



- عدت من المدرسة ..عانيت وحدة فظيعة ًمنذ الصباح ..ها هي أختي بجانبي ..والدي ..والدتي..أعز الناس و أحبهم إلى فلم تلك الوحدة؟!
حاولت معرفة السبب لأزيل تلك الوحشة عن نفسي و اتقي شر ألمها..و لكن دون جدوى..أيقنت أنني لو وجدت وسط الملايين لن أتخلص منها..
- اتجهت إلى الفرانده .. تلك المطلة على فضاء واسع..تتلألأ من بعيد أضواء المحلات..كان منظراً بديعاً .. حيث كانت السماء صافية ..يتوسطها صديق دربي و سلواى الوحيدة ليبهر العيون بجماله.. فقد كان القمر بدراً..عهدت إلى تشغيل إحدى الموسيقى الهادئة و عدت للفرانده متطلعةً السماء .. اندمج مستشعرة الموسيقى ..أغالب عبرة تريد التحرر من مقلتي .. و لكنها تسقط .
- ثم تذكرت منظاري الصغير .. فقد أهداني اياه أبي لمعرفته بحبي الشديد لعلوم الفلك.. وقفت في الفرانده .. رفعت منظاري أتأمل القمر بتركيز شديد..فنجحت في رؤية بعض انخفاضات سطحه .. ركضت فرحة أقفز بين الحين و الاخر لأخبر عائلتي الصغيرة عن رؤياي ..فلا تصدقني لمعرفتهم بإمكانيات منظاري البسيطة..استمررت على هذا الحال راكضةً بحالة هستيرية بين الفرانده و العائلة محاولة اقناعهم بأن رؤية هكذا انخفاضات تحتاج لتركيز شديد.. و آخر الامر ادعوا تصديقي حتى أكف عن تلك التصرفات الطفوليةالتي انتابتني .
- عدت من جديد للفرانده .. أشاهد القمر .. و إذا بنسيم رقيق عذب حينها يداعب جبهتي فيتغلغل إلى أعماق روحي كأنما يمد يده على حزني ليشفيني.. فنجح بذلك القمر و النسيم فيما فشل فيه أحبائي من إخراجي من وحدتي تلك.. و ظللت على هذا الحال.. و من جديد عدت لأخبر عائلتي عن استغرابي لما يخبروننا به في المدرسة بأن دوران القمر بطئ فيحتاج إلى 24 ساعة ليتعاقب الليل و النهار .. فلقد استطعت ملاحظة سرعة دورانه تبعا ً لبدء هبوطه وراء إحدى المباني المواجهة لبيتنا.. و للمرة الثانية ادعوا تصديقي .
- و في الفرانده أخذت ابتسم لوجود أنيس وحدتي هناك .. و لكن و فجأة بدأ القمر يهبط أكثر فأكثر وراء المبنى .. يزداد الجزء المتواري منه حتى كاد يختفي و بلمح البصر ..ذهب .. نعم ذهب ليتركني لوحدتي من جديد.
- حينها خرجت من الفرانده و أن أبكي الدموع الغزيرة دون توقف ..تعجبت عائلتي بشدة لحالتي و سخرت من جنوني .. و زادني ذلك حدة في البكاء فغضب والدي .. فلم يجد سبباً لضحكي بدايةً ثم لبكائي الشديد هذا .. و لم يعلم مطلقاً أنني بكيت خوفا من الوحدة.. بكيت لفقدي أنيسي.

الخميس، 5 فبراير 2009

و تتجدد غيبوبتي



أراك هنا و هناك..احذف من حياتي اى شيء أراه سواك..تتمثل أمامي جليا أينما ذهبت ..بنفس وقفتك تلك .. في كل مكان سبق و تواجدت فيه.. أتقدم منك مسرعة و قلبي يكاد يقفز من ضلوعي فرحا لرؤيتك .. و رؤية ابتسامتك تلك الساحرة ..كم اشتقت لوجهك الحاني المحبوب هذا..ما أن أقف أمامك ابتسم لك ابتسامة تكشف عن بياض أسناني جميعا..ابتسامة عذبة .. لا تذوق شفتاي حلاوتها إلا عند التعبير عن مدى الفرح الذي يهفو بعالمي ما أن تتواجد أنت فيه ..ابتسم لك و أقاوم رغبتي الشديدة في ضمك لأكتفي منك .. ولأشرح لك كم افتقادي .. لألومك لابتعادك عني كل هذه المدة .. كيف استطعت؟؟!!!
عبثا أحاول مقاومة هذه الرغبة و لكنها تغلبني ..ارفع يديّ متوقعة أن تلتقيا بك ..و لكنهما تلاقيا أحداهما الأخرى و فقط .. اصدم..أنت لست هنا.. ليس بين ذراعي..بنظرات حائرة انظر حولي..يهرب الدم من عروقي..يشحب لوني..و تتقطع أنفاسي خوفا ..يتقدم مني أي من أفراد العائلة ليفقني من غيبوبتي..يأتني متسائلا..حبيبتي إلى من كنت تبتسمين ؟؟؟
أقف أمامه صامتة.. شاردة الذهن أحاول التركيز علىّ أجد جوابا..و لكن لا..لا أجيب ..تخور قدماي ..و قبل أن تخونانني.. أتخلص من قبضته تلك المحكمة على كتفي .. و اركض باكية هاربة إلى غرفتي تلك التي تضم جميع عذاباتي.. اندفع بقوة هذا الألم الذي يتملكني.
هذه هي حياتي الآن ..في كل مرة أراك فيها أتمنى بصدق ..من كل قلبي أن تكون حقيقيا هذه المرة ..حيث أنني أؤمن بوجودك بجانبي ..اشعر بك تحوطني ..أحس بدفء جسدي فقط لاطمئناني انك هنا قربي..ولكنني ابحث و لا أجدك ..أكاد أجن ...إن هذا الشعور صادق لحد لا يقبل الشك...إذن فأنت هنا ..و لكن المشكلة أنني لا أجدك ..أزيد البحث دقة ..و لكن دون جدوى ..و تأتيني الصدمة في كل يوم جديد حين يشرحون لي انك قد ذهبت ..رحلت ..و إلى الأبد ..أحاول ..أحاول جاهدة تذكر هذا الحدث ..متى..متى رحلت؟؟ ..و لكنني لا أستطيع ..لا تؤتني الشجاعة الكافية أبدا للاعتراف بأنك مت..بأنني فقدتك..رغم أنهم يأتون بالإثبات عليّ اقتنع.. علىّ أفيق من غيبوبتي تلك التي تتجدد مع بزوغ فجر كل يوم جديد من حياتي.