الأربعاء، 30 سبتمبر 2009

اقترب اكثر


و كما العادة في تلك القرية الصغيرة الهادئة التى تقبع في بقعة من بقاع الارض..يخرج الصبية الصغار ..يجتمعون واحدا تلو الاخر ..و من ثم يتجهون سويا لجمع بقية الاصدقاء ..يقفون خارج " الدار" و يطلقون اصواتهم جميعا منادين..و قبل ان يخرج صبينا..توصيه امه .."ما تتأخرش"..و لانها تعرف عن ابنها العناد..تجمع الصبية و تذكرهم بما سيجعلهم يخضعون لاوامرها :."ما تتأخروش علشان" الجنية ام دهب" اللى بتاكل العيال ".

حينها كان هذا هو المعتقد ..ففي مكان كالمكان الذي يلعبون فيه_ و هو ارض واسعة مترامية في طرف "البلد" من ورائها اراضي زراعية واسعة لا يتم التردد عليها كثيرا_ ما ان يدخل الليل ما ان تصبح هذه الفسحة من الارض مكانا موحشا لا يُفضل البقاء فيه..و لان انطلاق الصبية الصغار يتزامن مع وقت آذان المغرب إذن فلن يتاح لهم كثيرا من الوقت حتى يحل الظلام تماما و تظهر " الجنية ام ذهب" كما عرفت حينها..و ما يساعدها على الظهور ان حركة سكان القرية تقل ..حينها تستطيع الانفراد باحد الصبية .

انطلق الصبية..تمتعوا بالالعاب ..التى كانت على بدائيتها ممتعة و مرضية بالنسبة لهم ..سريعا دخل الليل ..و بدأت الحركة تقل حتى انعدمت تماما ..بدأ يهب نسيم مائل للبرودة ليتخلله بين الفينة و الاخرى ريح قوية ..حينها بدأت الجنية تقترب..توقف الصبية عن اللعب

صوت كصوت ارتطام قطع من الذهب يتصاعد ..حاولوا الاصغاء..وقفوا هناك متصلبين ..حاولوا مداراة خوفهم .. يخشى اى منهم ان يكون البادئ في اظهار هلعه ..و اذا بصبي اشتهر بافتقاره للشجاعة يستسلم مبكرا و بصوت مرتجف يقول:

" يلا بينا نروح بقى .. يلا الجنية جاية "

و لما ما وجد استجابة كما يريد علا صوته بالصراخ"اجرى يلا انت و هو .. هتاكولنا" جاءت كلماته مصاحبة لهبوب ريح عنيفة فاذا بصوت الذهب يتعالى بشده فيهرب الاولاد واحدا تلو الاخر ..الا صبينا ..لم يتزحزح..وقف هناك ..منتظرا ..لا يعلم لما انتظاره ..اهو شغفه ليرى تلك الجنية التى يُحكى عنها ..ام رغبة منه في اظهار اقصى درجات الشجاعة كما ينشد..ام ليثبت ان والدته ليست على حق فيما قالته.

انتظر هناك مواجهاً الاراضي الزراعية..مضت دقيقة ..دقيقتان .. كان يرتعش في داخله خوفا و لكنه وقف مثبتاً قدماه بشدة في الارض كأنما يخشى ان تخوناه و تضطراه الى الهروب.

و اذا بالصوت يعلو احيانا كأنها تقترب ..و يقل مرة اخرى كانما تبتعد ..و تمر الثوانى ..و يحسبها كانها سنون ..في انتظار و توقع..مر في خياله حينها صور شتى لما يكون عليه شكل هذه الجنية ..لعله يأهب نفسه للتصدى للمفاجأة التى ستخرج بين لحظة و اخرى من الزرع امامه..رغم انتظاره لم تظهر ..مهما انتظر ..لم تأتى.. ولكن الصوت لا يزال موجودا..فكر لبرهة..و بدأ يقترب ..كانما ارتأى ان كانت هى لن تقترب..فليذهب هو و ليكتشف بنفسه..تقدم يتلمس خطواته في هذا الظلام الحالك..ثم ثوقف بعد لحظات فاذا به تحت شجرة عملاقة الحجم ..متشعبة وعجوز تسمى هناك" شجرة اللبخ"..ثمارها كثيرة متدلية ..جافة تماما..تشبه في شكلها "قرون الفول" و لكنها اعرض و اطول و هى دوما جافة جدا لها لون الخشب مجوفة و بداخلها حبيبات.. ما ان تهتز هذه الثمار بفعل الريح تصطدم ببعضها محدثةً صوتا يشبه صوت ارتطام قطع الذهب..وقف صبينا مشدوها لفترة....فاتحا فمه بشكل غريب..و رأسه المعلقة للاعلى تحدق في الشجرة من فوقه ..احتاج وقتا ليستوعب آلية حدوث هذا الصوت ..وفجأة انطلق بالضحك ..ضحكا هستيريا..يجمع ما بين دهشته مما اكتشفه و خوفه ذاك الذي كاد يودى بحياته ..و اخذ يقفز فرحا بحق لاكتشافه.

يومها ما كان ليكتشف حقيقة الجنية التى يخشاها الجميع ..ما كان ليثبت انه صواب في ظنه ..و ان امه و الجميع مخطئين فيما اعتقدوه منذ زمن..ما كان ليفهم شيئا ان هو فرّ متجنبا المحاولة كما فعل اصدقاؤه ..كل ما احتاجه يومها ..ليس شجاعة ..و لكن القدرة على الاقتراب ليرى الامور على حقيقتها ..فذلك هو ما نحتاجه احيانا ..ان نقترب اكثر لتتوضح الامور امامنا.

الأربعاء، 2 سبتمبر 2009

عقلانية اكرهها


هذا هو ما اكرهه عندما اضطر الى ان افكر بعقلانية ..ان اصبر و ان احافظ على رشدى لاصبح عقلانية ..عندما يدفع بي التفكير الى الجنون من كثرة الضغط الذي اتعرض اليه في حين احاول الوصول الى الصواب ..و حيرتى لانجح في بلوغ اصوب الصواب .. لكى لا اعود فاندم .. لكى لا اخطأ التصرف .. اكره هذا ..بحق اكرهه .. اريد ان استسلم و اتعامل بطبيعتى .
فطبيعتى اننى حين اعبر عن غضبي عن رفضي .. ترى صوتى يرتفع بالصراخ معترضا..و تنتابتنى حالة من قول" لأ لأ " يصاحبها قفز متتالى من على الارض و تهتز رأسي يمينا و شمالا معبرة بابسط الطرق عن عدم موافقتى ..و يعجزنى في اثناء هذا اننى لا املك دليلا ماديا على سبب رفضي سوى رغبتى الشديدة في سير الامور بهذا الشكل ..و حينما لا يستجيبون و يخضعون لى ابكى كأى طفل يعبر عن ما اصابه من هم و غم ..كأى طفل يحاول الدفاع عن شيء ما و يستخدم ما يملك من اسلحة .
هذا ما كنت اتبعه قديما هكذا كنت اخضع ابي و امى لرغباتى حينما اعجز عن اقناعهم ..لم تكن سياسة يومها ..بل هى جل ما املك هذا هو الاسلوب الذي لطالما استعنت به حين لم يكن في يدى سواه حيلة و ها انا الان فتاة كبيرة عاقلة ..و هذا ما اكرهه ..اريد الاستسلام ..ها انا اجرب ما يعنيه ان تقضي طوال الليل مفكرا في حل عقلانى لما تشكو منه يؤلمنى عقلى اصاب بصداع شديد احاول السيطرة على فكرى ليتوقف ليتيح لى شيئا من الليل لانامه و لكنه يأبى على هذه الفتاة الكبيرة العاقلة الراحة.
ارجوك دعنى لطفولتى ساعبر عن غضبي ..اعدك.. سأعبر عن رفضي ..بحق سأفعل.. و لكن بطريقتى دعنى استسلم لطفولتى التى اعرفها .. دعنى و لا ترهقنى ..و رغم رغبتى الشديدة هذه اعلم انك لن تفعل فقد مضي هذا الزمن ..مضى و مضت ايامه بما تحمله من بساطة ..رغم رغبتى في الاستسلام لن انجح باللجوء اليه بل لن تتيح لى الحياة المضي فيها باسلحتى الضعيفة هذه .

الاثنين، 27 يوليو 2009

جدال لا ينتهى



عصرنا غير عصرهم ..اهتماماتنا تختلف عن اهتماماتهم ..ما بات هاما في حياتنا لا يندرج حتى في قناعاتهم ..نهتم بتلك الدورات و التدريبات التنموية.. نعلل اهتمامنا و شغفنا بأن هذا ما بات يفرق بين شخص و اخر في التعيين ..في العمل ..و لكنهم يرون"و لن اجاور الحق فاعمم و لكن معظم الاباء يرون " ان المهم هو الدراسة و الدراسة و فقط هي ما ستحقق النجاح هى ما ستكتب مستقبلنا اما باقى اهتماماتنا تلك فما هى سوى "تنطيط" على حد تعبير البعض" و لهم جل الاحترام طبعا" ..نرى العكس لان ما يحدث في واقعنا حقيقة هو العكس ..نحاول ان ندخل في حياتنا انشطة و مشاركات اجتماعية تخلق من شخصياتنا افراد مبدعين لاننا بتنا نحيا في عصر لا يسمح لأي كان الولوج فيه ببساطة..لابد لك من تأشيرة دخول .. و في هذه الحالة هي كونك متميزا منفردا بشيء ما عن الآخرين الذين قد يماثلوك في مهارات الدراسة ..نحاول إقناعهم و يحاولون إخضاعنا لآرائهم ..من هنا ينشأ الصراع ..صراع نكسبه أحيانا بتنفيذ رغباتنا دون رضائهم و يفوزون به أحيانا حين يسلموننا لليأس بعد جدال طويل ..محتفظا كلا الطرفين باستقلاله على بره..في بادئ الأمر كنا نناقش و لدينا تلك الروح الطويلة و حماس الغّر في محاولة يائسة لإثبات وجهة نظرنا ..و لكن تلك الروح تقل لأنهم لا يتزحزحون عن ظنهم ..يُستهلك صبرنا مرة تلو الأخرى ..فنصل للنهاية_ تلك عندما نحاول إرضائهم بالتخلي عن كل تلك الأشياء _و نتحمل نحن خسارتنا .. المشكلة أن حتى هذا الاستسلام لا يرضينا لأننا بحق سنخسر سنفقد خبرات و فرص ستفيدنا يقينا في المستقبل ..لكننا كسبنا رضاهم..و لكن هذا لن يكفينا دوما .. هل هذا هو الحل..اهذا هو الطريق الوحيد لنيل رضاهم ..أيتمثل الصواب في تركنا القرار لهم في مثل تلك الامور..ام تنفيذنا لما نعلم و نترك الله ليتعامل مع ما فعلنا من اغضابهم ؟؟


السمراء

كم كانت فتاة جميلة .. لن اكذب فاتغزل في وسامتها .. لكنها حقا كانت جميلة ..جمال من نوع مختلف ..كانت سمراء لها ملامح صغيرة و مريحة..وجهها برئ هادئ يتخلله عينان واسعتان انسانيهما بلون بنى فاتح ..لم تمتلك من الجمال مثل ما امتلك اخيها من بياض البشرة و تلون العينين بلون ازرقاق البحر..لكنها جاوزته في شئ اخر ..تفوقت في السحر..سحر خجلها ذلك الذي وصل لدرجة تحاول فيها اخفاء ابتسامتها التي لم تتجاوز_ و لا لمرة واحدة_ لتصل لحد يظهر معها بياض اسنانها الصغيرة ، جلست هناك أمامي _في حين جلست والدتها بجانبي _ شابكة يديها الصغيرتين واضعة إياهما فوق رجليها تارة..فيبلغ بها الخجل تارة أخرى فتدسهما بين ركبتيها..و اذا بها تنتهز الفرصة من حين لآخر لتختلس النظر..و ما أن انظر إليها تشيح بناظرها عنى..لكنها كانت تنتظر منى شيئا يطمئنها انه مسموح لها بالتبسم في وجهي..حينها لمحت على يد والدتها تلك العلامة لتدلل على أنها من ديانة أخرى ..في البداية تمنيت لو كان هذا الوجه الجميل ملك لنا..و من ثم ايقنت..ايا كانت..ايا كانت فقد كانت على بساطتها جميلة ..ما هي سوى فتاة سمراء بريئة..تجاوزت تلك الفكرة العابرة في مخيلتي و أعطيتها إشارة للانطلاق..ابتسمت لها ابتسامة عملت على احتوائها لكل مشاعر الألفة..حينها حصلت على ما أريد..رأيت بياض أسنانها ..أظهرته بابتسامة رائعة اكتملت معها صورة جمالها الملائكي ذاك.

الثلاثاء، 14 أبريل 2009

بعداً أخر



استعجب لحالنا أحيانا ..نعلم ما فيه صالحنا ..أين يكمن خيرنا ..و ندرك الوسيلة الفضلى للبلوغ ..و نظل مع ذلك لا نحرك ساكنا.. و في محاولة لإفاقة أنفسنا من تخاذلنا نذكر أنفسنا أننا نضيع مصلحتنا ..أننا نرتكب خطأً فادحاً سنعود لنندم عليه لاحقاً ..مستخدمين وسائل الترغيب أحيانا و التهريب أحياناً أخرى ..رغم المحاولات نبوء بالفشل .. استغرب لهذا ..و لكنني مع ذلك بت أدرك بل أوقن أنهم حين يقولون .." أننا لا نحتاج إلى أسباب تدفعنا لفعل ما فيه صالحنا .. أن مصلحتنا تشكل دافعا كافيا لنسعى لبلوغها" ..أمراً خاطئا للغاية .
فكأننا نمر بفترات لا نعود نمثل حافزاً كافيا لأنفسنا ..فترات لا نعود نشعر أن مصالحنا و ما يصب في خير مستقبلنا يستدعى اهتمامنا .


و فجأة وسط صراعنا الداخلي المحتدم هذا ..يأتينا احدهم ..إنسان نهتم بشأنه ..يطلب منا أن نفعل هذا الشيء مع اختلاف بسيط ..انه يأتينا مضيفا ً لطلبه بعداً آخراً ..سبباً آخراً ..دافعاً أقوى .. ذلك حين يقرن طلبه ب: " من اجل خاطري افعل ذلك ".. يسألنا أن نفعل ما فيه خيرنا من أجله ..حينها و على فجأة تدب روح جديدة في أنفسنا ..يتحول تكاسلنا إلى نشاط منقطع النظير ..ليصبح ما كنا نتجاهله هو هدفنا الأوحد ..و همنا الشاغل .
ذلك هو ما يحدث حقا ..إن التغير المفاجئ الذي طرأ على سلوكنا يرجع إلى تلك الإضافة البسيطة ..إننا الآن نسعى لما فيه صالحنا و لكن ليس من اجل أنفسنا بل لإرضاء غيرنا ..لكي لا نخذل من نهتم لأمرهم ..فكأننا نتحرر أحيانا من سيطرة ألانا ..نتقدم الآن و ما يدفعنا إلى نفس النهاية هو رغبتنا في العطاء و ليس الأخذ.

******************************

اسفه للغاية لاننى تأخرت في كتابة اى شيء جديد و لكن حقا لظروف خارجة تماما عن ارادتى ..و اننى اعتذر منذ الان اننى سأتوقف لفترة عن كتابة اى شيء جديد في الفترة المقبلة حتى تنتهى فترة الامتحانات اتمنى ان اكون قد بنيت علاقة قوية بكم تدفعكم للانتظار و تقبل توقفى لفترة ..اتمنى بحق ان اكون قد امتعتكم و نالت كتاباتى رضائكم .

تمنوا لى التوفيق في الامتحانات لاننى بحق في حاجة له .


الاثنين، 16 مارس 2009

أعود الى هناك


مازلت أعود إلى ارجوحتى تلك ..كم أحبها افتقدها..كم بات ارتباطي بها شديدا..و لكنني ما عدت الجأ إليها آلان سوى لدى كابتي ..و في كل مرة تستقبلني ..ربما يحزنها اننى لا أعود إليها إلا في أوقاتي الصعبة ..و لكنها لا تقسو على ..مع ذلك تكتفي بزيارتي ..هي وحدها تعرف جميع أسراري هناك في جنباتها القي كل أحزانى.
اذهب للحديقة ..اجلس على ارجوحتى ..بصمت شديد شاردة الذهن ..و بعد لحظات أحاول ..أحاول مقاومة ذلك الخدل الذي يسري في أطرافي ..ببطء ارفع قدمي الهزيلتان عن الأرض لأدفعها ..تبدأ ارجوحتى في الاهتزاز ..تتحرك الأرض من تحتي ..لكنني لا ارتفع سوى مسافة صغيرة للغاية تتناسب مع ضعف دفعي ..فارجوحتى ليست تعلو و تتأرجح كصديقاتها ..لان صاحبتها ليست كهؤلاء ..بثقل شديد اهتز للخلف و للامام و مازالت عيناي المرهقتان تتابعان سحابة هناك تجمعت على شكل كتلة قطنية كثيفة ..أتمنى الوصول إليها ..فابتعد عن عالمي هذا ..أتمناها تستطيع تحمل ثقلي لتحملني إلى ارض الأحلام ..ارض لا حزن فيها ..لا الم ..بل كل ما اذوقه هناك هو السلام.
أظل محدقة لتلك السحابة ..متابعة لحركتها البطيئة ..نعم ببطء شديد ..و لكنها تبتعد ..تعلم حالي و حزني قد تشاركني إياه للحظات و لكنها في النهاية ستمضي لطريقها غير عابئة ..فهذه هي سنة الحياة .
و في محاولة يائسة لتناسي همي ..و للتخفيف عن نفسي ..اعدل من وضعي ..افرد ظهري ..و أتنشق هواء الحديقة واضعة فيه أملى أن يبرد عليّ صدري ..لكنه يدخل و لا اشعر به ..أعيد الكرة.. أتنفس بشكل أعمق علّى انجح..و لكن لا ..لست أذوق له ذلك الطعم المميز ..لست أميز اختلاط رائحته بعبق الأزهار لست اشعر بانتعاشة الماء الملقى على الأرض لسقايتها .
تمنع تلك الكآبة الحادة على نفسي كل هذا ..تكون حاجزا سميكا يحول دون هروبي من سيطرتها .. اشعر بإرهاق_ يجتاح كل خلية من جسدي_ يأبى لها التبسم كما كانت تفعل دوما لدى تواجدها في الحديقة بين الخضرة و الأزهار.
افقد الأمل ..أعود فاسند رأسي من جديد على إحدى حدائد الأرجوحة التي تحملني بصبر و جلد ..لم تجف بعد تلك البقعة المبللة على ملابسي اثر تساقط دموعي ..لم تتمكن من فعل ذلك في تلك اللحظات القصيرة التي حاولت فيها إزاحة هذا الهم عن نفسي ..و بعودتي لوضعي أزيد حجم هذه البقعة .
حينها نظرت إلى الدنيا من حولي ..فلم أرها كما الفتها ..أحسست أنها على اتساعها ضيقة للغاية .._ضيق لا يحتمل حزني _.. استغربت لتذكري أنني في وقت عقلاني مضى آمنت باتساعها ..ذلك حين نظرت إليها لأرى أن هناك عوالم أخرى ..حيوات تختلف عن حياتنا لكل منها طابع خاص ..يتراوح بين الحزن و السعادة .. في هذه الدنيا في مكان ما يوجد أناس غيرنا قد يعانون مثلنا أو أكثر ..بينما آلان لست أرى هذا ..لاننى حين نظرت للحياة في حزني وجدت نفسي متوسطة إياها ..ارانى في المحور فيجل شأني و تعظم مصيبتي .
فنظرتنا للأشياء لا تعنى أننا نراها ..لا تعنى أننا نبصرها ..حيث أن إدراكنا لمعنى الحياة و للأشياء من حولنا تتحدد بحالتنا وقت النظر إليها ..إن ظننا أننا الوحيدين المتواجدين في هذه الدنيا .. وأهم ما يحدث فيها هو ما يحدث لنا .. إن حذفنا من عالمنا كل شيء سوانا ..حينها و فقط تصبح أمورنا ذات شأن ..لكننا إن أوجدنا عناصر أخرى بجوارنا سيهون وجودنا .. متى أبصرنا أننا جزء و فقط من عالم متباعدة أطرافه حينها يخف حملنا.

السبت، 28 فبراير 2009

مازلنا نختلف



مررنا بمراحل عمرية عديدة ..في بداية حياتنا أعظم ما أنجزناه هو إتقاننا للتقليد ..نقلد شخصيات نحبها ..نتخذها مثل أعلى ..نتخطى هذه المرحلة لنصل إلى أخرى أكثر نضجا..ننفتح على عالم واسع ..تتصارع فيه الأفكار و الرؤى ..نحاول التعلم ..نلتقط الآراء من هنا و هناك .. نأخذ منها ما يتفق لنا ..و من ثم نتطور لنشكل آراءنا الخاصة ..نكون لأنفسنا شخصية متكاملة لها حدودها الواضحة ..مزيج يضم كل ما تعلمناه و اختبرناه يوما ..هنا نتوقف ..لم يعد يشغل بالنا شيء ..لأننا نظن أن هذه الآراء التي توصلنا لها بعد تنقيح لابد أن تكون ثابتة .
هكذا ظننت إلى فترة قريبة للغاية ..فقضيت فترة من الهدوء أو الخمول الفكري ..ما عادت المواضيع تثيرني حيث أنني ظننت أن خلاصة ما تعلمت هي ثوابت.
و من هنا بلغت دهشتي حدها ..عندما اختلفت مع احدهم عن معنى ..الاهتمام ..الصداقة _معاني بسيطة و ثابتة لا تقبل النقاش_أو هكذا اعتقدت .

و لكنها قبلت النقاش ..حينها بدأت استرجع كل ما جمعت من اعتقادات في السابق ..بأسلوب سلس منظم بدأت اطرح آرائي ..كذلك يفعل الطرف الآخر ..بات كلانا يفتش عن سابق عهده و اقتناعه بما يقول .
و الغريب ..رغم اختلافنا ..تمتع كلانا بأسباب منطقية ..و وجهات مغايرة مقنعة و قوية للغاية ..حينها أعجبني اختلافنا رغم كونه اختلاف.

نشط عقلي من جديد ..بدأت اقلب صفحاتي القديمة ..تذكرت ما نسيته لفترة من الزمن ..انه رغم اعتقادنا بثبات الأشياء إلا أننا مازلنا نختلف حول ماهيتها ..حدودها..تفاصيلها ..قد أرى لها وجه واحد لان لدى نظرة واحدة ..غيري لديه نظرة أخرى بناها على خبرات و اعتقادات تختلف عن خبراتي ..حين نتناقش فيها نظهر جوانب من شخصياتنا .

توصلت أخيرا ..انه لا يوجد ما يسمى ثوابت ..دوما ستظل الأشياء متغيرة ..دوما سنسمع الجديد ..فنعود للبحث محاولين الوصول إلى صورة واضحة لما يحيرنا ..نرجع إلى أوراقنا القديمة نحذف منها ..و نضيف إليها .._تلك التي لن يجف حبرها مطلقا _عسانا نصل لتعريف مثالي أو حتى الاقتراب منه.

و لكننا سنظل نختلف ..و حين نختلف نتميز.. فلولا اختلافنا هذا لما ظهر جديد ..إن تمتع الجميع بنفس الوجهة من النظر ..لما ابتكر شيئا.

الخميس، 19 فبراير 2009

بلا نهاية



امشي متخبطة الخطى ..بلا هدفٍ هائمةً على وجهي ..في شارعٍ مزدحمٍ بالمارة ..تعلو الأصوات و تنخفض من حولي ..تزداد الحركة و تنتشر..و لا يثير انتباهي أي من هذا ..لا شيء سوى صدى ضربات قدمي تلك الثقيلة على الأرض من تحتي ..عُزِلت عن العالم من حولي كأنني محتجزةٌ داخل قوقعةٍ صماء .. اقلب عيناى هنا و هناك في جميع الاتجاهات دون أن يقع بصري على شيءٍ مألوفٍ ..أحاول التركيز لأجيب عن ذلك السؤال الذي يلح على عقلي .. من أين أتيت؟! .. إلى أين أذهب؟! .. لا أعلم ..يملؤني شعور حادٌ بالغربة.. بالفقدان ..جلًّ ما بت أدركه أنني ومنذ زمن لا أعلم منذ متى بالتحديد أطلقت للريح ساقي .
توقفت على الرصيف للحظات ..ثم نزلت لعبور الطريق..لم أعير السيارات المارة انتباهي فقد شُغِلت عيناي عنها في تتبع خطواتي المقبلة علها تكتشف إلى أين المقصد.
وفجأة و في منتصف الطريق وصل إلى مسامعي صوتٌ مريرٌ .. مبحوح .. يعلو و يتأرجح نجح في اختراق قوقعتي ليطن في اذنيّ .. فإذا به ينتشلني من غيبوبتي ..ابحث بعينين محمومتين عن مصدره ..انه لطفلٍ صغيرٍ وقف هناك .. أمامي مباشرةً على الرصيف المقابل.. طفلٌ انتابته ثورةٌ عارمةٌ من البكاء مطالباً بأمه ..باحثاُ عنها وسط الزحام .. شردت معه للحظات .. أتاني صوتٌ صاخبٌ من تلك السيارة التي باتت ملتصقةً بجانبي و قد أطل منها وجهٌ غاضبٌ لرأسٍ أشيبٍ ألقى علىًّ بضعة كلماتٍ ناهرة..و لكنني ما فعلت سوى أن تجاوزت الشارع وصولاً إلى الرصيف حيث يقبع الطفل الباكي ..اقتربت منه مررت بجواره.. وقد استحوذني شعورٌ غريبٌ ..لم استطع تبينه إلا بعد أن تجاوزته ..خلفته ورائي و قلبي ملؤه حسدا.. فعلى الأقل هذا الطفل ذو السبع سنوات _على أكثر تقدير_ يعلم ما يبحث عنه ..ألقيت عليه نظرةً أخيرةً بعينين تغرقها الدموع .. و من جديد أعدت مقاليد الحكم لساقيًّ تأخذانني حيث تشاءان علهما تهتديان لنهاية هذا المشوار الذي لا افقه كيف و متى ابتدأ.

الثلاثاء، 10 فبراير 2009

تلك الليلة



- عدت من المدرسة ..عانيت وحدة فظيعة ًمنذ الصباح ..ها هي أختي بجانبي ..والدي ..والدتي..أعز الناس و أحبهم إلى فلم تلك الوحدة؟!
حاولت معرفة السبب لأزيل تلك الوحشة عن نفسي و اتقي شر ألمها..و لكن دون جدوى..أيقنت أنني لو وجدت وسط الملايين لن أتخلص منها..
- اتجهت إلى الفرانده .. تلك المطلة على فضاء واسع..تتلألأ من بعيد أضواء المحلات..كان منظراً بديعاً .. حيث كانت السماء صافية ..يتوسطها صديق دربي و سلواى الوحيدة ليبهر العيون بجماله.. فقد كان القمر بدراً..عهدت إلى تشغيل إحدى الموسيقى الهادئة و عدت للفرانده متطلعةً السماء .. اندمج مستشعرة الموسيقى ..أغالب عبرة تريد التحرر من مقلتي .. و لكنها تسقط .
- ثم تذكرت منظاري الصغير .. فقد أهداني اياه أبي لمعرفته بحبي الشديد لعلوم الفلك.. وقفت في الفرانده .. رفعت منظاري أتأمل القمر بتركيز شديد..فنجحت في رؤية بعض انخفاضات سطحه .. ركضت فرحة أقفز بين الحين و الاخر لأخبر عائلتي الصغيرة عن رؤياي ..فلا تصدقني لمعرفتهم بإمكانيات منظاري البسيطة..استمررت على هذا الحال راكضةً بحالة هستيرية بين الفرانده و العائلة محاولة اقناعهم بأن رؤية هكذا انخفاضات تحتاج لتركيز شديد.. و آخر الامر ادعوا تصديقي حتى أكف عن تلك التصرفات الطفوليةالتي انتابتني .
- عدت من جديد للفرانده .. أشاهد القمر .. و إذا بنسيم رقيق عذب حينها يداعب جبهتي فيتغلغل إلى أعماق روحي كأنما يمد يده على حزني ليشفيني.. فنجح بذلك القمر و النسيم فيما فشل فيه أحبائي من إخراجي من وحدتي تلك.. و ظللت على هذا الحال.. و من جديد عدت لأخبر عائلتي عن استغرابي لما يخبروننا به في المدرسة بأن دوران القمر بطئ فيحتاج إلى 24 ساعة ليتعاقب الليل و النهار .. فلقد استطعت ملاحظة سرعة دورانه تبعا ً لبدء هبوطه وراء إحدى المباني المواجهة لبيتنا.. و للمرة الثانية ادعوا تصديقي .
- و في الفرانده أخذت ابتسم لوجود أنيس وحدتي هناك .. و لكن و فجأة بدأ القمر يهبط أكثر فأكثر وراء المبنى .. يزداد الجزء المتواري منه حتى كاد يختفي و بلمح البصر ..ذهب .. نعم ذهب ليتركني لوحدتي من جديد.
- حينها خرجت من الفرانده و أن أبكي الدموع الغزيرة دون توقف ..تعجبت عائلتي بشدة لحالتي و سخرت من جنوني .. و زادني ذلك حدة في البكاء فغضب والدي .. فلم يجد سبباً لضحكي بدايةً ثم لبكائي الشديد هذا .. و لم يعلم مطلقاً أنني بكيت خوفا من الوحدة.. بكيت لفقدي أنيسي.

الخميس، 5 فبراير 2009

و تتجدد غيبوبتي



أراك هنا و هناك..احذف من حياتي اى شيء أراه سواك..تتمثل أمامي جليا أينما ذهبت ..بنفس وقفتك تلك .. في كل مكان سبق و تواجدت فيه.. أتقدم منك مسرعة و قلبي يكاد يقفز من ضلوعي فرحا لرؤيتك .. و رؤية ابتسامتك تلك الساحرة ..كم اشتقت لوجهك الحاني المحبوب هذا..ما أن أقف أمامك ابتسم لك ابتسامة تكشف عن بياض أسناني جميعا..ابتسامة عذبة .. لا تذوق شفتاي حلاوتها إلا عند التعبير عن مدى الفرح الذي يهفو بعالمي ما أن تتواجد أنت فيه ..ابتسم لك و أقاوم رغبتي الشديدة في ضمك لأكتفي منك .. ولأشرح لك كم افتقادي .. لألومك لابتعادك عني كل هذه المدة .. كيف استطعت؟؟!!!
عبثا أحاول مقاومة هذه الرغبة و لكنها تغلبني ..ارفع يديّ متوقعة أن تلتقيا بك ..و لكنهما تلاقيا أحداهما الأخرى و فقط .. اصدم..أنت لست هنا.. ليس بين ذراعي..بنظرات حائرة انظر حولي..يهرب الدم من عروقي..يشحب لوني..و تتقطع أنفاسي خوفا ..يتقدم مني أي من أفراد العائلة ليفقني من غيبوبتي..يأتني متسائلا..حبيبتي إلى من كنت تبتسمين ؟؟؟
أقف أمامه صامتة.. شاردة الذهن أحاول التركيز علىّ أجد جوابا..و لكن لا..لا أجيب ..تخور قدماي ..و قبل أن تخونانني.. أتخلص من قبضته تلك المحكمة على كتفي .. و اركض باكية هاربة إلى غرفتي تلك التي تضم جميع عذاباتي.. اندفع بقوة هذا الألم الذي يتملكني.
هذه هي حياتي الآن ..في كل مرة أراك فيها أتمنى بصدق ..من كل قلبي أن تكون حقيقيا هذه المرة ..حيث أنني أؤمن بوجودك بجانبي ..اشعر بك تحوطني ..أحس بدفء جسدي فقط لاطمئناني انك هنا قربي..ولكنني ابحث و لا أجدك ..أكاد أجن ...إن هذا الشعور صادق لحد لا يقبل الشك...إذن فأنت هنا ..و لكن المشكلة أنني لا أجدك ..أزيد البحث دقة ..و لكن دون جدوى ..و تأتيني الصدمة في كل يوم جديد حين يشرحون لي انك قد ذهبت ..رحلت ..و إلى الأبد ..أحاول ..أحاول جاهدة تذكر هذا الحدث ..متى..متى رحلت؟؟ ..و لكنني لا أستطيع ..لا تؤتني الشجاعة الكافية أبدا للاعتراف بأنك مت..بأنني فقدتك..رغم أنهم يأتون بالإثبات عليّ اقتنع.. علىّ أفيق من غيبوبتي تلك التي تتجدد مع بزوغ فجر كل يوم جديد من حياتي.

الجمعة، 30 يناير 2009

طائرة ورقية
إن صنعت يوما طائرة ورقية فخرجت ليلا في إحدى ليالي الصيف الحانية ..تستمتع بالنسيم اللطيف الذي يداعب جبهتك , و بعد أن أجهزتها بدأت تطلقها للفضاء ..لكي تحافظ على ثباتها و اتزانها عليك أن تحكم سيرها أن تسيطر عليها دوما ..بأن تنظر للأعلى .. استمر في متابعتها متطلعا للفضاء..ما أن تخرج منك هذه الهفوة و تخفض عينيك سيختل اتزان طائرتك ..ستراها تميل و تنحرف شيئا فشيئا ..ببطء ستفقدها ..ستحاول استعادة اتزانها و لكنك ستفشل إلا إذا أعدت نظرك للسماء إن تطلعت من جديد للفضاء_ذلك المتلألئ بالنجوم _ مؤمنا صادقا انك لن تكرر فعلتك ..لن تنظر تحت أقدامك ..لن تهتم لخطواتك ..بل انك ستسترشد بالنجوم و فقط ..فوسط هذه النجوم البراقة يقبع مكاننا ..لاننا في حقيقة الأمر من داخلنا نجوم ..لا اعلم كيف هبطنا إلى الأرض ؟؟!!!....... و إن حدث كيف لنا أن ننسى جذورنا ..انتماءنا..فإنني أوقن مهما تراءت لك من عيوب يقبع في داخل نفسك ..هناك في داخل الداخل نجم ما انطفئ بريقه يوما ..يريد التحرر العودة لموطنه ..فقط أطلق سراحه, اجعله يعلو بك.. فيبتعد في أقاصي السماء ليتخذ موقعه في الفضاء بين باقي النجوم.
يستحقون
بوجودنا بقربهم نشعر بمدى أهميتنا..بتلقائية شديدة يظهرون أجمل ما فينا..نطمئن لهم ..هؤلاء و فقط من يستحقون أن نظل بجوارهم..نصبح ملك لهم..من يشجعوننا لنيل الأفضل لاستحقاقنا الحصول عليه..نراهم مستعدين للتضحية من أجلنا..يتدافعون ليكونوا أول المساندين..نراهم في الصفوف الأولى ليثبتوا ولائهم..لا يبغون سوى خيرنا..ببساطة يحبوننا بصدق..هؤلاء يدفعوننا بتلقائية إلى تحسين أنفسنا..لا لشيء سوى أننا نريد أن نستحقهم..نراهم على درجة من الروعة و الصفاء يشجعنا لتطوير أنفسنا..رغم أنهم ما طلبوا شيئا فقد أحبونا هكذا..على طبيعتنا..تقبلونا بكل ما فينا..و أجمل ما قد يكسبوه إيانا هذا الإحساس الرائع في أن تثق في أحدهم أكثر مما تثق في نفسك ..لأنك توقن صدق اهتمامه..لا تتردد في اللجوء إليه..لأنه سيرعاك دوما و يعتني بك..إن حسنا فعلت ستراه يقف أمامك يصفق لك بل قد يحملك على كتفيه ليوريك مدى روعتك يسعدك بنفسك..و إن أخطأت يلذعونك تقريحا..لا لشيء إلا أنهم يستبعدون علينا مثل هذه الهفوات..و في النهاية يعملون معا لتكويننا..بناءنا الجيد..ببساطة و تلقائية يوجهون حياتنا .

أفضل ما نملك
لن ننجح دوما في أن نكون الأفضل ..لن نلام إن عجزنا ..ما دمنا قد بذلنا أفضل ما نملك .ما ادخرنا اى من إمكانياتنا ..سواء نجح هذا الأفضل في تحقيق الامتياز لنا من عدمه ..لن يسوءنا إن سبقنا احدهم..فقد أوفينا أنفسنا حقها رغم ذلك.. حينها سنطمئن إلى صدق موقعنا.

الأربعاء، 21 يناير 2009

"الأمل الضائع"



- منذ تى بت أكره الشتاء لهذا الحد .. ؟! جال هذا السؤال بخاطري بينما أُحكمُ إغلاق النوافذ تجنباً لهذا الفصل " اللعين " على حد تعبير زوجي.
تقدمت من الفراش .. تدثرت بالغطاء .. أخذت أتأفف من معاناتي الشديدة في هذا الفصل .. كم ستصبح الطرق زلقة في الغد .. و عساني أجد جواب من هذا القابع بجواري ولكن لا .. لم أجد أي مقاطعة أو تعليق على كلامي .. فقد بات زوجي هذا كغريب يقضي جميع لياليه نائماً بفراشي .. هكذا هي حياتنا الآن.
هممت حين لم أجد من جواب لحديثي .. أدرت له ظهري وانزلقت بداخل غطائي .. وبعد فترة أتاني صوته كأنه أفاق من إغماءة وكان لا يزال ممسكاً بالحاسب في يده موليه كل انتباهه لينهى أعماله ..
- نعم يا حبيبتي .. ماذا كنت تقولين .. إن هذا المشروع خاصة يهمني .. بفضله قد أتلقى ترقية لا بأس بها .. أتعلمين..
وانطلق في حديثه مديراً الدفة عن الوجهة التي اتخذتها في بادئ الأمر ليصبح مشروعه هو محور الحديث.
- استمر في كلامه متابعاً أعماله .. الا أننى ومنذ فترة توقفت عن متابعته .. فهكذا هو الحال دائماً .. مشروع هام وترقية أهم.
أبى النوم مطاوعتي .. رغم الارهاق الجسدي الذي تملكني بعد تعب يوم مضني .. حيث أنني غرقت في التفكير عليَّ أتذكر متى تحولت إلى هذه المرأة الجادة المملة ؟! .. متى أصبحت أكره الشتاء وقد كنت دوماً مفتخرة بوصف نفسي بأنني كليلة " ماطرة " من ليالي الشتاء المفعمة بالحيوية .. أين اختفت هذه الفتاة المرحة .. أضاعت في زمرة الحياة ؟! .. أم العمل ؟! .. أم أنها تنكرت في هذه الملابس الرسمية التي لطالما كرهتها ..
- وفي الصباح ..انطلق كل منا لصنع قهوته الخاصة .. ومن ثم صنع أحلامه وأهدافه التي بتنا نتقن إصابتها.
دخل يوسف سيارته .. أدارها .. في هذه الأثناء كنت منشغلة برفع ذلك الغطاء عن سيارتي وقد شُبغ بأمطار الليلة الماضية التي أثارت جدلاً في خاطري.
وقفت بجوار السيارة على أطراف أصابعي .. مبعدة جسدي قدر امكاني خشية تلوث ملابسي البيضاء تلك الرسمية .. كم شعرت بالبلاهة حين عجزت عن رفع الغطاء .. انسانة ذكية مثلي لا يعترضها حاجز .. يعجِزها مجرد عطاء مبلل عن متابعة سيرها.
وفي لحظات قصيرة للغاية فشلت في اللحاق بها وجدت وجه يوسف وقد أطل من زجاج سيارته معتذراً وقد بدت على وجهه دلالات الاستهانة
- عذراً يا حبيبتي .. إنني متأخر سلفاً .. اعتمدي على نفسك فأن امرأة راشدة.
امرأة راشدة .. كم كرهت وقعها .. جاءت لتثير جنونى وغضبي تجاه هوان هذه الحياة التي أعيش.
تصرفت بسرعة علْي أستطيع اللحاق بميعادي .. فتوجهت إلى غرفة البواب تلك التل وجدت بابها وقد انفلج ليسمح بشعاع ضئيل من النور ينفذ خارجها.
تشجعت ودفعت الباب ومن ثم خطوت خطوتين بداخل الغرفة ولكنني .. وفجأة .. توقفت .. إذ وقع نظري على صورة امرأة في كامل أنوثتها .. لا لشئ فهي رثة المظهر .. متدثرة بغطاء بالي .. وقد جلست على سرير عتيق يمنع علينا الحكم بأن الغرفة على بساطتها كانت خالية .. رغم هذا إلا أنني ما أن رأيتها انتابني شعور غريب .. رغم ألفته .. كأنني في يوم من الأيام اختبرته .. وجدتها وقد أسدلت قدماها من السرير بجوار ذلك الحطب المشتعل .. الذي أضاف للغرفة رائحة عطرة مميزة يفتقدها بيتنا .. رائحة دفء الشتاء..
وفي خلال ذهولي ظهر البواب عارضاً خدمته:
- أنا في الخدمة يا ست هانم .. في أي مشكلة ؟؟ ..
دون أن أنبت ببنت شفة مضيت أمامه .. بخطوات محتضرة جعلتني أخلفه ما أن سارع بخطوتين .. فالتفت ورائي متطلعةٌ لتلك السيدة الهادئة القابعة هناك .. تعلو وجهها ابتسامة سحرية من الرضا .. يُورد خداها دفء الشتاء .. مضيت متجرعة حسرتي .. رغم ذلك وضحت الرؤى في عيناي فقد تضاءلت حينها كل أحلامي وتجسدت في أمل واحد أبتغيه بشدة .. " يا ليتني كنت امرأة ".

بقلم أمنية أحمد لبيب
4/1/2009

الثلاثاء، 20 يناير 2009

وقت رحيله

انظر إليه و قد وقف هناك دون حراك..مسنداً ظهره إلى الحائط... واضعا يديه في جيبي بنطاله..وقد اتكأت إحدى قدميه على الأخرى, انظر إليه و قد علت على وجهي دلالات الاستغراب..فأجد عيناه قد صلبتا على الأرض..لا يظهر أي تعبيرٍ مخالفٍ على وجهه..تملؤني الدهشة من برودة أعصابه.
يستمر الجميع في وصف مزايا المتقدم إلى ..يشجعونني على الموافقة لكنني ارفض و ابرر رفضي بأسبابٍ تافهة يدرك تفاهتها أي عقل..يدرك أن ورائها سبب أقوى لرفضي الدائم هذا دون هذه الأسباب الواهية.
و لكنهم لا يستسلمون ...يلحون و أدافع..يستمرون حتى انفض ما بجعبتي من مبررات..أكاد اصرخ من كثرة ضغطهم علي..و وقوفي وقفة الضعيف أمامهم..و يزيدني ضعفا ذلك الحزن الذي بات يتآكلني لوقوفه هناك لا يحرك ساكناً..و قد تركني ادفع الطوفان بمفردي.
يوقن عقلي انه مسافر لأداء واجبه الوطني و أنني قد افقده في أثناء ذلك ..اعلم انه لم يعترف بأي حب لي و لم يفصح عن نواياه لأي كان في العائلة ..و لكن..ما مصدر هذا التوتر فيما بيننا ..لما لا يستطيع الآن أن يحدثني بجرأة ..أمن المعقول أن يكون تلعثمي حين أتحدث إليه ..أو محاصرته لي بنظراته شيء غير الحب ؟!و إن كان هلا أسمى ذلك الشيء لي؟؟
تتصارع كل هذه الأفكار بداخلي ..يكاد عقلي يجن..اهتدى أخيرا إلى أن مشاعري دائما ما تصدقني ..من المؤكد أن ما يفعله هو مجرد خوف على ..يخشى على الارتباط بإنسان لا يعلم مصيره.. أن كان سيعود أو لا..إنسان لا أمل له.
-حقيبة سفر.. التأهب لقد حان وقت الرحيل..هبطت السلم مسرعةً و قد قاربت الشمس على الشروق..تراجعت أصابعي أمام الباب القابع أمامي و لكنني تشجعت و ضربت ضرباتٍ خفيفةٍ على الباب ..علمت أن العائلة جميعها مستيقظة الآن..دخلت فإذا به في ذات الركن وقد اسند ظهره للحائط..و من حوله أحبائه يوصونه على نفسه.
-نظروا إلى مستغربين..يا الهي كم كرهت ذلك التمثيل الذي نحياه جميعاً أحياناً..أدركت في عيونهم أنهم يوقنون أن التي تقف أمامهم ليست قريبتهم و فقط و لكن هي تلك الفتاة المحبة لابنهم المسافر..تلك الفتاة التي لم تستطع أن تدعه يتركها دون تبرير..تلك الفتاة و لأول مرة تقدم على عمل طائش كهذا ..كيف لها أن تأتي في هذا الوقت و قد كان الوداع في الليلة الماضية ..مثلوا سذاجتهم هذه في نظرةٍ واحدةٍ ..رغم إيقانهم ما يشتعل في صدري من نار .. و أنني لما لم أجد من يحاول إطفاءها قررت فعل ذلك بنفسي .
لم يوجه إلي نظراته منذ دخلت ..لم يأبه لوجودي كما اعتاد أن يفعل مؤخرا.
-استأذنك في لحظات ..وجهت إليه حديثي.
ساد الصمت في البيت لثواني معدودات ثم نظر إلي مستغرباً كأنه لا يعلم أنني اقصده..أو كأنني أحادث شخصاً غيره و قال:
-أنا؟؟
صرخت في وجهة قائلةً:
-و من غيرك تظن؟!
لا اعلم كيف تخليت حينها عن وقاري ..كيف فعلت ذلك ..لقد عريت ما بداخلي أمام الجميع ..كيف لفتاة فعل ذلك؟!.. أن امتنع هو كيف افعل أنا هذا..أحسست كأنني أهوى في بئر عميق لا أجد له من قاع..ولكنني مع ذلك لم أكن لأستطيع ادعاء أن لا فارق لدي فيما يحدث.
مثل لطلبي و دخلنا غرفة الطعام بعيداً عن تلك العيون التي اشرأبت تطالعني منذ ولوجي .
-لن آخذ من وقتك كثيراً..نظرت إليه و بكل جرأة متسائلةً:
-أليس لديك ما تريد قوله قبل أن تسافر ؟
لم ينظر إلي ..بل وقف هناك في الزاوية ينظر من خلال النافذة إلى الشارع الخالي إلا من بعض المارة الذين يركضون هربًا من الأمطار المتساقطة .
و أجابني بصوت يفتقر إلى المشاعر:
-أقول ماذا ؟؟...لا أريد قول أي شيء.
كم مزقتني كلماته و كم جرحني تجنبه لي خشيت أن أكون مخطئة ..فلقد كان واثقاً في كلماته..آه كم كرهته حينها ..لم يصعب الأمور علي أكثر ..و لكن زادت جرأتي حين أدركت انه ليس هناك ما افقده بعد كل ما فعلت و بعد كل ما خطوت..ليس من الصواب أن أتراجع الآن دون إنهاء هذه المسألة و إلى الأبد..فما اعتز به و هو كبريائي قد ضاع منذ لحظة دخولي المنزل .
توجهت إليه ..وقفت بجواره إلى النافذة ..أخذت نفساً عميقاً و حادثته بلهجة حازمة..
_أتظن أن ما تفعله صواب.. أتنصحني حقا بالزواج من ذلك الشاب ..أتراه.....
حاول مقاطعتي بتأييده لهذا الزواج و لكنني صرخت في وجهه قائلة:
-هلا تركتني أكمل حديثي ..
حينها تلاقت عينانا ..فأسرع مبتعداً متجنباً النظر إلى عيناي ..أدركت ما يحاول فعله ..اكتشفت أين تقع نقطة ضعفه.
-هل من الممكن أن تنظر إلي ..لا تتجنب نظراتي إذا سمحت..هلا تعطيني و لو قليلا من اهتمامك؟
حاول ..حاول رفع عينيه و لكنه عجز.. كم دبت السعادة في قلبي حينها..لم أكن لأطمع في شيء بعد هذا ..تأكدت أن سره _خوفه من النظر إلي _يدل على شيء"يخشى أن تفضحه عيناه".

وقفت أمامه في مرمى عينيه هناك تحدثت بكل صراحة و بكل غموض في الوقت عينه غموض لا يفهمه احد سواه..لأنه يعلم ما يجري حقا.

-قلت :أتريد أن تسافر و تترك ما بيننا هكذا ألا تريد إنهاء الموقف ؟.. لا تحاول أن تدعي عدم الفهم ..لست اقصد بكلماتي عدم رغبتي في سفرك أو _ أو بإنهاء الموقف_ غير أن توضح ما أنا بالنسبة إليك.. بل إنني ارغب في أن تؤدي واجبك الوطني بشدة لا لأنني القي بك إلى التهلكة و لكن لأنني أحب أن تكون على هذا القدر من الشرف.
كل ما اطلبه الا تذهب و تتركني معلقة ..قل لي أنك لم تفكر في قط..أن لا فارق لديك إن كنت لأحد غيرك..الديك الشجاعة لهذا أن تنظر إلى عيني مباشرة و بكل ثقة تقول انك لا تحبني .. و أنني لا امثل لديك أكثر من صلة القرابة ..اخبرني أنني مخدوعة إن ظننت يوما انك تكن لي مشاعر كالتي أكنها لك..قل هذا و فقط و لن تراني أردعك ثانية بل سأبتعد عن دربك و الآن لا احمل لك غير كل الاحترام و التمني بالعودة السالمة.
و لكن إن اعترفت بعكس ذلك ..متى قلت انك تريد أن تقضي معي و فقط ما تبقى من حياتك..و انك ستكون أتعس إنسان إن وافقت بغيرك..إن اعترفت الآن انك لولا هذا السفر كنت ستريدني زوجة لك تحبها و ترعاها..حينها لن أتركك قبل أن أكون هذه الزوجة المحبة التي ستقضي ليلها تدعو لك بالصحة و السلامة..سأنتظرك ..لن أكون لغيرك مطلقا سأهبك وحدك ما تبقى من عمري..و لكن اجبني الآن ..أرحني أرجوك.
_وقف صامتا للحظات ..ساد هذا السكون بيننا ليرتفع صوت ارتطام قطرات الماء على النافذة..أحسست أنها تماثل في شدتها ما يضطرب في نفسي..و رغم جموده شعرت أن بركانا بداخله يشتعل..و إذا به يقترب مني و يمسك ذراعي بيديه ..و يشد في قبضته حتى كاد يكسر أضلعي ..قائلاً:
_أتظنين أنني سعيد بابتعادي عنك..هل استطعت خداعك بتمثيلي لهذا الحد؟؟.. أتعتقدين أنني لا أتمنى أن اقضي كل لحظة في حياتي بجوارك!..إن أكثر ما أتمناه من الله هو أن أكون نائما بجوارك ليلا و أصحو و أنت غافلة لأجلس بقربك أتأمل تقاطيع وجهك الحاني و أظل أفكر كم أنني محظوظ لنيلك ..لأكرر في كل لحظة شكري لله على إهدائك لي ..أهداك عقلك انه سيكون من السهل على أن تمضي الأيام تباعا دون رؤياك..أتدركين مدى الألم الذي يسببه الحكم على كل آمالك بالاستحالة ..أن يُهد تصورك لحياتك بجوار من تحبين..اختار انسانة أرى قمة سعادتي بجوارها..لا اعرف غير صدرها مكان لأقبع فيه ليضمني حين تشتد الحياة ..حاولت ..حاولت تخيل غيرك أماً لأولادي و لكنني كرهت حياتي حينها.
ما هذا الذي تقولين الم تشعري بما أكنه تجاهك أكان من الواجب أن أفصح عنه..الم تكن أفعالي كافية؟!.و إن لم تكن كيف تبرري رغبتي الدائمة في بقائي حيث تقبعين؟!..بما تفسري تعللي بأسباب تافهة لأجر معك أي حديث ..ماذا ظننت بي في كل هذا..ألا تدركين أنني كدت اقتل ذلك الشاب فقط و لمجرد نظرهُ إليك متمنياً أن تكوني له...كدت اشتعل لمجرد الفكرة ..لكنني قاومت نفسي ..قاومت رغبتي فيك من أجلك ..اخترت سعادتك على حساب سعادتي..ماذا ..الم تفهمي بعد ؟..ماذا تريدين أن أقول أكثر ..أتريدين أن أقول أنني سأكون على درجة من الأنانية لأربطك بإنسان على شفى الموت أو أنني سأسمح لنفسي بأن تظلمك ..لست أنا ..اعتذر يا صغيرتي لست انوي أن احقق لك أمنيتك بتدمير حياتك فاعذريني لقد حان وقت رحيلي.
ما كنت افعل في أثناء حديثه سوى البكاء ..بكاء صامت تتساقط الدمعات على خدي .. كأنها صادرة من بئر بداخلي لا ينتهي .. تجاوزني و توجه إلى الباب و قبل أن يدير مقبضه علا صوت نحيبي و شهقت شهقةً عاليةً أحسست روحي تخرج معها و لم اشعر إلا به يعود ليأخذني بين ذراعيه و يضمني إلى صدره ثم طبع قبلةً حانيةً على جبهتي..لمحت الدموع تتلألأ في عينيه..و مضى بعيداً .. حينها سمعت الباب الخارجي ينغلق فمرت رعدةٌ قويةٌ في جسدي..و لكنني كنت قد اتخذت قراري إما أن أكون له أو لا لأحد غيره .
30/5/2008